ابن العربي
1016
أحكام القرآن
سائر البدن أو الثوب التطهير ؛ وتلك رخصة من اللّه تعالى لعباده في حالتي وجود الماء وعدمه . وبه قال عامة العلماء . وقال ابن حبيب : لا يستجمر بالأحجار إلّا عند عدم الماء . وفعل النبي صلى اللّه عليه وسلم أولى . وقد بيناه في شرح الصحيحين ومسائل الخلاف . وأما إن كانت النجاسة على البدن أو الثوب فلعلمائنا فيها ثلاثة أقوال : فقال عنه ابن وهب : يجب غسلها بالماء في حالتي الذكر والنسيان ؛ وبه قال الشافعي . وقال أشهب عنه : ذلك مستحبّ غير واجب ؛ وبه قال أبو حنيفة في تفصيل الحالين جميعا . وقال ابن القاسم ، عنه : يجب في حالة الذّكر دون النسيان ؛ وهي من مفرداته . والدليل على الوجوب المطلق قوله تعالى « 1 » : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ؛ فأمره اللّه بطهارة ثيابه حتى إن أتته العبادة وجدته على حالة مهيّأة لأدائها . وقد قال قوم : إنّ الثياب كناية ، وذلك دعوى لا يلتفت إليها . واحتجّ أبو حنيفة على سقوط طهارتها بأنّ الاستنجاء لو كان واجبا لغسل بالماء ؛ فإن الحجر لا يزيله . قلنا : هذه رخصة من اللّه أمر بها ، وعفا عمّا وراءها . وأما الفرق بين حال الذّكر والنسيان ففي مسائل الخلاف برهانه ، وهو متعلق بأنه رفع المؤاخذة في سورة البقرة على ما بيّناه في الخلافيات . المسألة الخامسة - بنى أبو حنيفة هذه المسألة على حرف ، فقال : إنّ النحاسة إذا كانت كثيرة وجبت إزالتها ، وإذا كانت قليلة لم تجب إزالتها ، وفرق بين القليل والكثير بقدر الدرهم البغلي « 2 » - يعنى كبار الدراهم التي هي على قدر استدارة الدينار ، قياسا على المسربة « 3 » . وهذا باطل من وجهين : أحدهما - أنّ المقدّرات عنده لا تثبت قياسا ؛ فلا يقبل هذا التقدير منه .
--> ( 1 ) سورة المدثر ، آية 4 . ( 2 ) دراهم ضربت لعمر بن الخطاب . ( 3 ) المسربة : مجرى الحدث من الدبر .